Scroll To Top

ماكرون.. وأشباه الدول الإفريقية

إفريقيا مريضة بحكامها وأنظمتها.. الذين ليسوا أكثر من امتداد ـ بأدوات محلية ـ للهيمنة الاستعمارية القديمة.. سابقا

المشاهدات : 228
0
آخر تحديث : 10:34 | 2017-12-02
الكاتب : عيسى جرادي

الإهانة التي تلقاها رئيس بوركينافاسو "ر. كابوري" في عقر داره.. من ضيفه الرئيس الفرنسي "إ.ماكرون" .. فيها من التحقير والإساءة والاستخفاف بمقام رئيس دولة مستقلة ـ نظريا ـ.. ما يستدعي إعلان حرب لو اقتضى الأمر ذلك.. وبأضعف الإيمان طرد السفير الفرنسي.. وقطع العلاقة الدبلوماسية مع هذه الدولة المستكبرة.. لكن لا شيء من ذلك وقع أو سيقع.. فالهوان الذي ترزح فيه أشباه الدول الإفريقية أكبر من أن يحتوى من قبل أنظمة تابعة وذليلة.. وأشباه حكام يقرر مصيرهم في باريس وليس في إفريقيا.

المشهد مثير للشفقة حقا.. ففي خطاب ألقاه ماكرون في جامعة "واغا دوغو"... بحضور نظيره البوركينافي المستضيف ".. تلقى الرئيس الضيف سؤالا من طالب جامعي.. يشكو فيه انقطاع الكهرباء.. فبادره ماكرون بالرد "أنت تسألني وكأني رئيس بوركينا فاسو، أو كأني ما زلت قوة مستعمرة، أنا غير مسؤول عن الكهرباء في الجامعات، إنها مهمة رئيسكم".. هذا الرد المستفز.. حدا بالسيد "كابوري" إلى مغادرة القاعة دون أن ينطق بكلمة.. ومرة أخرى لاحقه برشقة تحقير أسوأ من الأولى.. حيث أشار إليه بأصبعه إلى الرئيس المنسحب "لقد غادر.. يبدو أنه ذاهب لإصلاح مكيف الهواء".

لا رد تقريبا.. سوى من مواقف إعلامية وصفت ما وقع بـ "الإهانة والخروج على الأعراف الدبلوماسية".. لكننا لم نشهد أكثر من ذلك.. والظاهر أن شرف بعض الدول الإفريقية قابل للمناقشة.. كما تمكن مقايضته بأي مقابل مادي أو إعلامي أو جلوس على الكرسي.. والسؤال: ما الذي حفز الرئيس الفرنسي على التصرف بغطرسة واستكبار؟ وما الذي دعا الرئيس البوركينافي إلى ابتلاع الإهانة وكفى؟

إفريقيا مريضة بحكامها وأنظمتها.. الذين ليسوا أكثر من امتداد ـ بأدوات محلية ـ للهيمنة الاستعمارية القديمة.. سابقا كانت تحكمهم فرنسا أو بريطانيا مباشرة.. وكانت جيوشها تملي بقوة النار والمعدن إرادتها.. أما الآن فقد تغير الشكل وبقي المضمون.. فالإفريقي يحكم الإفريقي لا لمصلحة بلده.. بل لفائدة فرنسا ونيابة عنها.. وهو يستذله ويقمعه في إطار توفير خدمة استعمارية معاصرة بمقابل زهيد.. وفي أحيان كثيرة بلا مقابل يذكر.. فالشعور بالدونية يحفز على تحريك الذيل وإعلان الخضوع.

العبودية السياسية لم تختف من إفريقيا.. بل تتشكل بمظاهر جديدة ومتنوعة.. وتمارس بأكثر من طريقة..  فكم دولة إفريقية تملك قرارها الوطني فعلا.. وليست أكثر من رجع صدى للقرار الفرنسي.. وإلا كيف نفهم حكاية المجموعة الفركفونية.. حيث تعادل أو تتفوق إرادة دولة واحدة على مجموع إرادة أزيد من خمسين دولة.. تدين بالولاء والتبعية لباريس؟!

إن البحث في أسباب الهوان الإفريقي تجاه مستعمريه السابقين.. يحيلنا مباشرة إلى فشل مشروع "نموذج وطني للتحرر الثقافي والاقتصادي والاجتماعي" من ربقة الدول المستعمرة السابقة.. فالذين تسلموا السلطة من الفرنسيين خاصة.. لم يكلفوا أنفسهم عناء البحث عن تخليص مجتمعاتهم من قيود الإرث الاستعماري.. بل كبلوا أنفسهم باتفاقيات سعوا إليها غالبا بإرادتهم.. لم يفكروا على سبيل المثال في تطوير لغاتهم المحلية لتكون لها السيادة.. بدل الخضوع لاستلاب اللغة والثقافة الفرنسيتين.. ولم يذهبوا أبعد من الإليزيه في تقرير مصير بلدانهم.. عندما يتعلق الأمر بإعلان مواقف وتبني سياسات دولية وإقليمية.. تصب في خانة مصالح بلدانهم وليس العكس.. كما لم يبادروا ـ إلا باحتشام ـ ببناء قوة عسكرية تحميهم من الإرهاب وغير الإرهاب.. إذا كان ذلك يعني إنشاء جيوش لا تتلقى رواتبها وعتادها ـ المتواضع ـ من فرنسا.. ولم ينصرفوا إلى بناء اقتصاد يكافح الجوع.. ويسمح باستغلال الموارد المعدنية والفلاحية في سياق إعادة تثمين ثرواتها الخاصة.. بدل الخضوع للشركات الفرنسية التي تبقيهم مجرد مصادر للمواد الأولية ومصرفا للبضائع الفرنسية.

إن إقرار ماكرون بأن جرائم الاستعمار الأوروبي لا جدال فيها.. وإنه كانت هناك أخطاء وجرائم وأشياء كبيرة وتواريخ سعيدة".. لا يعني مطلقا أن الرئيس الفرنسي قد تخلص من عقدة التفوق على نظيره الإفريقي.. ولو كان في رتبة رئيس دولة.. فالتصريح المغلف ببعض الأدبيات الإنشائية التي نسمعها بين الحين والحين.. لا تلغي أبدا النظرة الاستعلائية التي يتمسك بها الفرنسيون إلى اليوم.. ولهذا الاعتبار بالذات يرفضون الاعتراف بجرائمهم التاريخية.. التي لا يرونها أكثر من حرب أسفرت عن ضحايا.. بل يتحول الرفض إلى تمجيد وقح لتلك الجرائم ومرتكبيها.. تماما كما يرفض بعض الضحايا مطالبة هذا المستعمر بالذات أن يعترف بخطاياه!!

 إن فرنسا التي تدعو مجلس الأمن للانعقاد من أجل بضعة أفارقة مهاجرين بطريقة غير شرعية.. يقال إن ليبيين يسترقونهم.. نسيت أو تناست ـ في شخص رئيسها ـ أنها تمارس استعبادا غير مباشر.. وبغير أسلاك شائكة.. لأكثر من دولة إفريقية.. لتبقيها تابعة ومتخلفة..  ولتسحب منها إرادتها المستقلة.. ولتملي عليها أن تفعل ما تريدي فرنسا.. وليس ما تريد هي!

أشباه دول.. تبدو فاشلة ومسترقة.. لم تكتشف إلى اليوم طريقها إلى النور.. بعيدا عن ظلام الاستعمار..  والراجح أن بقاء الأنظمة "الكرتونية".. "الفاسدة والمستبدة" جاثمة على صدور الأفارقة.. سيحولهم إلى أكبر تجمع بشري يبحث عن الهجرة بأي ثمن.. ليقبل الموت في البحر..  بدل أن يحيا بقوة إرادته في وطنه المسلوب منه بنعومة.

لا يوجد تعليق

تعليق

التفاعل بدون حسابي :

الاسم :*
البريد الإلكتروني :*
النص :*

عدد الأحرف المتبقية 500

مجموع 0 و 9 يساوي :*

التفاعل مع حسابي :

ليس لديك حساب ؟ يمكنك الاشتراك مجانا

اسم المستخدم :*
كلمة المرور :*

الأخبار بالفيديو

القائمة

"لقاء الأسبوع" مع وزير الثقافة عز الدين ميهوبي (الحلقة كاملة)

نشر في :07:09 | 2017-12-10

المجاهد لخضر بورقعة يتحدث عن القدس ،زيارة ماكرون ،جرائم الاستعمار..و يخاطب الشباب

نشر في :07:48 | 2017-12-09

" بلا قيود " مع "عبد الرزاق مقري " رئيس حركة مجتمع السلم السابق

نشر في :06:58 | 2017-12-05

البلاد اليوم : إغتيال علي عبد الله صالح .. اليمن و المنطقة إلى أين ؟


أعمدة البلاد